الجاحظ

416

الحيوان

485 - [ ما يعتري المختنق والممرور ] وهذا كما يعتري الذي يصيبه الأسن « 1 » من البخار المختنق في البئر إذا صار فيها ، فإنّه ربّما استقى واستخرج وقد تغيّر عقله . وأصحاب الرّكايا « 2 » يرون أنّ دواءه أن يلقوا عليه دثارا ثقيلا ، وأن يزمّل تزميلا وإن كان في تموز وآب ، ثم يحرس وإن كان قريبا من رأس البئر ، فإنّه إن لم يحل بينه وبينها طرح نفسه في تلك البئر ، أتاها سعيا في أوّل ما يفتح عينه ويرجع إليه اليسير من عقله ، حتى يكفي نفسه فيها من ذات نفسه ، في الموضع الذي قد لقي منه ما لقي ، وقد كان عنده معلوما أنّ القوم لو تركوه طرفة عين لهلك . هكذا كان عنده أيّام صحّة عقله ، فلمّا فسد أراه الفساد أنّ الرّأي في العود إلى ذلك الموضع . وكما يعتري الممرور « 3 » حتّى يرجم النّاس ، فإنّ المرّة تصوّر له أن الذي رجمه قد كان يريد رجمه ، فيرى أنّ الصّواب أن يبدأه بالرّجم وعلى مثل ذلك تريه المرّة أنّ طرحه نفسه في النّار أجود وأحزم . وليس في الأرض إنسان يذبح نفسه أو يختنق أو يتردّى في بئر ، أو يرمي نفسه من حالق ، إلّا من خوف المثلة أو التعذيب أو التعيير وتقريع الشامتين ، أو لأنّ به وجعا شديدا فيحرّك عليه المرّة فيحمى لذلك بدنه ويسخن جوفه ، فيطير من ذلك شيء إلى دماغه أو قلبه ، فيوهمه ذلك أنّ الصّواب في قتل نفسه ، وأنّ ذلك هو الرّاحة . وأنّ الحزم مع الرّاحة . ولا يختار الخنق الوادع الرابح الرافه ، السليم العقل والطّباع . وللغيظ ربّما رمى بنفسه في هذه المهالك ، وقذف بها في هذه المهاوي . وقد يعتري الذي يصعد على مثل سنسيرة أو عقرقوف « 4 » أو خضراء زوج ، فإنّه يعتريه أن يرمي بنفسه من تلقاء نفسه ، فيرون عند ذلك أن يصعد إليه بعض المعاودين المجرّبين ، ولا يصنع شيئا حتّى يشدّ عينيه ، ويحتال لإنزاله ، فهذا المعنى عامّ فيمن كانت طبيعته تثور عند مثل هذه العلّة ، وما أكثر من لا يعتريه ذلك . وقد قال النّاس في عذر هؤلاء ولأنّ فيهم ضروبا من الأقاويل .

--> ( 1 ) في القاموس « أسن » : ( أسن : دخل البئر فأصابته ريح منتنة فغشي عليه ) . ( 2 ) الركايا : جمع ركية ، وهي البئر . « القاموس : ركي » . ( 3 ) الممرور : من غلبت عليه المرة . « القاموس : مرّ » . ( 4 ) عقرقوف : قرية بينها وبين بغداد أربعة فراسخ . معجم البلدان ( عقرقوف ) .